اتجاهاتمقالات

أمريكا… وسحر الشرق الأوسط

 

 

بين وقت وآخر يصدُر عن مفكرين وكتّاب وحتى رسميين أمريكيين على مستويات عدة فكرةُ ضرورة مغادرة الشرق الأوسط، أو تقليل حجم الوجود المباشر فيه خصوصاً في الأماكن المشتعلة، وفق مقاربة بين الخسائر والأرباح وبين التقدم أو التقهقر.

 

غير أن توجهاً كهذا، وإن كان في نطاق اجتهاد فكري نظري، أو سياسي على طريقة الرئيس ترامب الذي فكر فيه بصوت مرتفع وتحدث في القضايا الاستراتيجية بطريقة الاستثمار العقاري والحسابات التجارية، لم تنجُ من طريقته سلباً أو إيجاباً الدول العظمى مثل روسيا والصين، وأوروبا وحلف شمال الأطلسي.

 

إن توجهاً كهذا كانت تعوقه وحتى تلغيه نظرية مجربة على مدى وقائع ومسارات الشرق الأوسط تقول: “حتى لو قررت أي دولة عظمى إدارة الظهر له فستجده أمامها، وإذا ابتعدت عنه فإنه سيجرها إليه”.

 

ففي شرقه وبحره وخليجه، أهم مخزون طاقة هو الأكثر تأثيراً في معادلات القوة والنفوذ، وفي قلبه كتلة النار دائمة الاشتعال. إسرائيل وسوريا ولبنان وقضية الصراع العربي الشامل معها.

 

صور: مقتل 8 مستوطنين إسرائيليين بعملية إطلاق نار في القدس

 

وفي غربه دول على التماس المباشر مع أفريقيا وأوروبا التي بفعل الحرب المشتعلة في وسطها، تقاربت فيها المسافات. وتداخلت القضايا والمصالح على نحو لم يحدث من قبل، وهذا هو سحر الشرق الأوسط، الذي كلما تعقدت أموره زادت جاذبيته. وكلما فكر أحد في الهروب منه، وجده أمامه كضرورة يستحيل تجاوزها.

 

الذي دعاني لمعالجة هذه الفكرة هو الجسر الجوي الذي حمل منفذي السياسة الخارجية الأمريكية ذهاباً وإياباً إلى المنطقة ومنها. حيث بدأ الأمريكيون بالحليف الأقرب إسرائيل، التي استقبلت هادي عمرو في زيارة أولية للملف المغلق الفلسطيني الإسرائيلي. وبعده بقليل جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي، وبعدهما الرجل الذي يعد حقائبه للحضور الوزير بلينكن.

 

ولم يبقَ سوى الرئيس بايدن الذي إن لم يزرْ فسوف يزار، وفي كل الحالات جدول الأعمال واحد، وأهم ما فيه مما يقوله الأمريكيون عنه هو الذي لم يوضع كبند مباشر وصريح، وهو الوقوف من كثب على واقع التركيبة الحكومية الإسرائيلية المحرجة للأصدقاء.

 

اقرأ أيضاً:

 

التي أفرزت أول ما أفرزت عدواناً صارخاً انشغل العالم به، وأداه الوزير بن غفير، حين بدأ عهده الحكومي باقتحام الأقصى. والدعوة لهدم منازل الفلسطينيين في المنطقة “ج”، التي هي أكثر من نصف الضفة الغربية غير القدس. والتبشير بنسخة ثانية من حرب حارس الأسوار على غزة، مع فتح قضايا كانت نائمة كقضية الخان الأحمر.

 

وإذا كان هذا الأمر يحتل المرتبة الثانية أو الثالثة في الاهتمام الأمريكي. إلا أن ما يجري داخل الدولة العبرية الحليفة من متغيرات جذرية في نظامها السياسي. واضطرابات واسعة النطاق في كل مكان من إسرائيل، أنتج قلقاً أمريكياً يستدعي اهتماماً خاصاً على كل المستويات. ما دعا الإدارة الأميركية إلى التدخل المباشر فيه جنباً إلى جنب مع الملف الإيراني. وهو البند الثابت على جدول الأعمال الأمريكي الإسرائيلي، مهما تبدلت الإدارات والحكومات.

 

الأداء الأمريكي في الشرق الأوسط، يمتاز بنمطية بلغت مستوى الثابت الذي لا يتغير. أساسه التكيف مع السياسة الإسرائيلية في مجال النزاع العربي الإسرائيلي الذي أساسه القضية الفلسطينية وضبط الاندفاع الإسرائيلي في الملف النووي الإيراني.

 

وهذه الطريقة في أداء السياسة لا توصل إلى حلول، ولا توقف التدهور، فضلاً عن أنها تؤدي إلى انخفاض مطرد في النفوذ يشكو منه الحلفاء والأصدقاء على حد سواء.

 

صناع السياسة في منطقتنا جعلونا ننظر لكيفية تصرف الأصدقاء التقليديين لأمريكا، فيسجل لهم أنهم وسَّعوا دائرة حركتهم، وفق رؤيتهم الخاصة المدروسة والمحسوبة لمصالحهم، وعرفوا أين يضعون أقدامهم على الطريق المكتظ بالمتغيرات، وكيف يديرون سياساتهم من داخل شبكة المستجدات في العلاقات والتحالفات، وإذا كانت أمريكا قد تعودت على أن يتكيف الآخرون معها، فقد آن الأوان لأن تتكيَّفَ هي مع سياساتهم المنطلقة من مصالحهم.

 

 

 

نبيل عمرو – الشرق الأوسط

 

المصدر
الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك بكل سهولة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى